Pages Navigation Menu

بوسعادة | بوابة الصحراء | مدينة العلم والمعرفة


الأمير الهاشمي

قصة قدوم الامير الهشمى ابن الامير عبدالقادر الى بوسعادة سنة ومكوثه بين اهلها حثتى وفاته1894

الأمير الهاشمي بن الأمير عبد القادر الجزائري

ووالد الأمير خالد.

ي…عتبر والده، الأمير عبد القادر، مؤسس الدولة الجزائرية الحديثة. وهو رجل دين معتدل وشاعر مرهف الحس وفيلسوف بعيد النظر وسياسي ثابت الخطى والأثر ومحارب مقدام لا يثني عزيمته الخطر. عُرفَ بمناهضته للاحتلال الفرنسي ورفض الذل والمهانة ، وهو القائل:

مَنْ لمْ يَمُتْ عندنا بالسّيفِ عاشَ مَدًى فـنـحـنُ أطـوَلُ خـلـق اللـه في العُـمُـر

ويقول فيه العارفون به:

ترى فيه من أغلى الرجال ثلاثةً: – إمامًا خطيبًا لا يطاوَلُ مصْقعَا

– وقائـدَ جـيْـش لا يُـقاسُ مرَاسُـهُ إذا اضْـطرَّ للهـيْجا أغارَ فأبْـدعَا

– وفارسَ نظـمٍ نظـَّم الدينُ سعـيَهُ بما طوَّعَ الطبْـعَ العـسـيـرَ فأقـنعَا

لِـذا كان سـيْـفًا للـجـزائـر صَارمًا على حـدِّه يَلقى(المُعمِّرُ)مَصْرعَا

فيما يلي حديث عن النجل : الأمير الهاشمي

1- الهاشمي في سوريا ونصيحة الوالد:

لا يمكن لبعض القلوب أن تقاوم نداء الوطن الأم حتى وإن تعلق الأمر بابن أمير ذائع الصيت ومحارب جريء. لذلك انصاع الأمير الهاشمي بن الأمير عبد القادر للنداء وعاد إلى الجزائر سنة 1894 بعد وفاة والده. كان هذا الأخير قد أحس بلوعة ولده، فقال له ذات يوم:” إذا قدر لك أن تعود إلى الوطن الأم، أنصحك بالتوجه إلى بوسعادة حيث لا زلت أحتفظ بأصدقاء أوفياء في عائلتي شريف و بسكر. وبالفعل فقد مر الأخوان، الحاج محمد والحاج امحمد، ولدا قويدر بن بسكر، بدمشق أين قضيا أكثر من شهر برفقة الأمير عبد القادر، كان ذلك في موسم الحج حيث أديا الفريضة وزارا بيت المقدس. عاملهما الأمير عبد القادر معاملة ضيف رفيع المستوى جزاء ما قدمه له أبوهما من مساعدة أثناء الجهاد المقدس ضد الغزاة.

2- منع أفراد الأسرة الأميرية من التوجه إلى الجزائر:

كانت سلطات الاحتلال الفرنسي في سوريا قد منعت على الأمير وأفراد أسرته العودة إلى الجزائر، ثم ما لبثت أن عدلت عن قرارها بعد أن استحسنت الدور الإنساني الذي لعبه الأمير في إنقاذ الموارنة من هجوم الدروز، إذ استقبل الأمير في بيته المئات منهم فنجّاهم من الموت المؤكد في العاشر من جويليا سنة 1860،

3- عودة الأمير الهاشمي إلى الجزائر:

عاد الأمير الهاشمي إلى أرض أجداده عام 1894. فكانت المدية أول محطة له، حيث أهله من جهة الأم. لكن مرتفعات التيتري لا يتوفر فيها المناخ السوري اللطيف، فما كان عليه إلا تطبيق نصيحة والده والتوجه إلى بوسعادة التي يضاهي مناخها مناخ دمشق هدوء ولطفا .

4- مسكن الأمير وأسرته:

استقرت أسرة الأمير الهاشمي بمسكن شيخ فرقة أولاد سيدي امحمد، الشريف الحسيني عز الدين بن العيفة، بحي ”حارة الشرفة”. وتولت الإدارة الاستعمارية دفع أجر الكراء. وسعت الدار ، التي لاتزال على شكلها الأول، الأمير وخدمه وأفراد أسرته الخمسة:خالد ومصطفى(في سن المراهقة)، البنت الشابة آمنة، أمهم لالا عائشة ووالدتها لالا الفاسية.

كانت البنت آمنة مقعدة وذات عقدة في اللسان وكانت دائمة المرض، أمها، لالا عائشة ذات الستة عقود آنذاك، سمراء نحيفة طويلة القامة، وهي سورية الأصل. بينما، كان الأمير طويلا بدينا ولا شبه له بأبيه على الإطلاق. كان الأمير قد كف بصره بسوريا، ونزل ببوسعادة كفيفا.

5- وصف دار الأمير الهاشمي:

تتوفر الدار على شرفة مطلة على ساحة فسيحة تسمح برؤية ممتدة على الواحة أين يتعرج الوادي بشلالاته الجميلة ساحرة السياح الوافدين على المدينة. كانت الدار معرضة للرياح صيفا مما يوفر للأمير مساء وقفة على الشرفة لاستنشاق الهواء المعطر بالروائح الزكية المنبعثة من النخل ذي الشذى المتنوع.

6- موارد العائلة :

كانت الإدارة الاستعمارية تدفع للأمير منحة شهرية مقدارها 60 قطعة ذهبية، مما يهيئ للأمير وأسرته عيشة راضية، فالكِراء تتولاه الإدارة، والأربعة عشر قائدا للفرق المكونة للبلدية يزورونه ويزودونه بحاجاته من السمن واللحم. كما أن بعضهم يعودون من السوق الأسبوعية بصيد أو بعض الخراف يقدمونها له لتحضير “المشوي” وقت الحاجة إلى ذلك. يقوم أعيان المدينة بزيارات تبركا بنجل المحارب الكبير الذي يمثل في اعتقادهم الإنسان الشريف. أليس شريفا بالفعل، من كان من سلالة فاطمة الزهراء من ابنها الحسن؟ يستطيع الهاشمي بدوره إذن أن يوزع بسخاء قسطا وافرا مما يغدق عليه لصالح خدمه والمساكين الذين كثيرا ما يطرقون بابه.

7- أوقات فراغه:

كان الأمير يدرِّس الحديث، في ساعات محددة من اليوم، تأتيه مجموعة من الطلبة للاستماع إليه والاستفادة من ثقافته المتينة المكتسبة في سوريا. كان الجميع، كبيرهم وصغيرهم، يهرعون إليه لمتابعة دروسه ونقل السيرة النبوية عنه. تعرفنا، في بداية شبابنا، على مشايخ مثقفين بفضل دروس الهاشمي. نذكر منهم السيد لمخلط بن لمبارك، السيد أحمد بن محمد بن صالح، السيد علي بن المقري… كان محمد بن امحمد الحملاوي، والذي عرفنا نجله الخذير، أمينا في خدمة الأمير، إذ ينفذ أوامره حرفيا وعلى الفور.

لا تقضي النساء أوقاتهن محجوزات بين أربعة جدران، وإنما يغادرن البيت مرتين في الأسبوع للذهاب إلى مشارف الوادي واستنشاق الهواء النقي. كان السيد عبد القادر بن بسكر، الذي استقيت منه هذه المعلومات، مكلفا بوسائل النقل. إذ كان، وهو في سن 18إلى20 ، يحضر ثلاثة من البغال قبل الفجر ليحمل عليها نساء وأطفالا، وبمعية خالد، يتوجه الجميع على طول الوادي صعودا. تحمل الخادمات مؤن الغذاء. بعد قطع خمسة أو ستة كيلومترات، يختار مكان مناسب للنزول. هنا تتسارع النساء لإشعال النار وتحضير فطور الصباح. بعد تناول الفطور، يذهب خالد ورفيقه الشاب إلى ميدان الصيد. يبدو خالد، وهو على صهوة الجواد، صيادا رائعا. لا يخطئ الطريدة أبدا. تمتلئ حقيبته حجلا وأرانب. حين عودته منتصف النهار، يكون الغداء حاضرا فيأكل الجميع بشهية؛ ثم يخلدون إلى فترة راحة، حيث يلقي بهم خرير الماء وحفيف سعف النخل في نوم هادئ. حوالي الساعة الرابعة بعد الزوال، يلاطف خالد نايه فتنبعث منه أنغاما جميلة ثم يرجو أمه أن تؤدي بعض الرقصات السورية التي تسحر النساء المحرومات في بوسعادة. لا تجد الأم أي إحراج في الاستجابة لرجاء ولدها ما دام المكان خاليا إلا من عبد القادر الذي تبنته العائلة.تتوالى تصفيقات وزغاريد النساء التي تملأ الوادي تعبيرا عن سرورهن وابتهاجهن. عندما تميل الشمس إلى الغرب يحمل الكل على البغال للعودة إلى المدينة مع حلول الظلام على غير علم الفضوليين من الناس.

8- المصاب الجلل:

كان المصاب الجلل يترصد هذه العائلة السعيدة. تترك آمنة، البنت الوحيدة ذات 22 سنة، فراغا حزينا حول أمها وجدتها. لم يلبث الأمير الهاشمي أن التحق بها إذ أدركه الموت في 15 ذي الحجة عام 1317 للهجرة الموافق لـ: 14 أفريل 1900. يدفن على بعد 100م من مسكنه الدنيوي، على مدخل مقام الولي الشريف سيدي امحمد بن إبراهيم. بقي قبر الأمير على حاله حتى الآن. بني قبره بالمرمر الأبيض وأحيط بسياج يعلو بمتر على مستوى الأرض، ولم يتمكن الصدأ منه بسبب المناخ الصحراوي الجاف.

هذا القبر الذي يشاهد على الصورة هو محط زيارات معتادة للسكان. يحمل الشاهدان كتابات لا تزال واضحة: يمكن قراءة ستة أبيات من قصيدة البردة على شاهد الرأس، يعد أولها الحادي عشر انطلاقا من أخر القصيد. أما شاهد الرجلين فيحمل ستة أبيات لتلميذ وفيٍّ للأمير، تعبر عن اعتراف وحسرة في الأبيات الخمسة، أما البيت السادس فيؤرّخ لوفاة الأمير بقيم أحرفه في حساب الجمَّل. يرقد الأمير بالقرب من القبة كما يظهر على الصورة. وانحناء نخلتين على القبر يشعر بكونهما يطلبان حلم الولي لتحقيق بعض الحاجات الحميمية.

لإعطاء مظهر خلاب للضريح، نبتت نخلة صغيرة بين النصبين (الشاهدين) فبدت وكأنها يد امتدت إلى السماء تلتمس قدْرا من العفو.

9- زواج الأمير خالد وانتقاله إلى الجزائر العاصمة:

تزوج الأمير خالد قبل وفاة أبيه من ابنة القاضي سي بوبكر، من أفراد عائلة سيدي قادة، فرع من أقارب محي الدين جده. نظمت مراسيم الزفاف بالساحة التي تطل عليها شرفة البيت. إلى الساحة نفسها كان يدعى سكان المدينة للمناسبات السارة، كالتي أقيمت لحفل ختان الخذير نجل خادم الأسرة محاد بن محمد ! ظل الخذير ، حتى وهو طاعن في السن، يعتز في إخبارنا بأن مصاريف حفل الختان دفعها الأمير خالد بنفسه.

يتوجه الأمير خالد، الولد البكر في العائلة إلى الجزائر العاصمة أين توضع تحت تصرفه دار تقع قبالة مقام سيدي عبد الرحمان. هذا وقد رافقه أصدقاء شبابه مثل سي عبد الله، المنحدر من الولي سيدي امحمد بن إبراهيم، الحاج أحمد بن سنوسي، عبد القادر بن بسكر. لم يفارقهم إلا حين ذهب للدراسات العسكرية ب: سان سير وللمشاركة في حرب 14- 18. هذا وعند توقيع الهدنة، عاد لسكناه في الجزائر. وكل عام يزور بوسعادة لتوزيع الصدقات على المحتاجين.

10- شهادة زائرين أجنبيين:

حديث رحالتين: ج. قيوشانG.Guiauchain و ش. دو قالانِCh. De Galland، أثناء تواجدهما ببوسعادة في مارس 1899، عن زيارتهما للأمير الهاشمي،جاء فيه:”…قادنا، عند خروجنا من المسجد،مرشدنا السيد لمسيَّحْ إلى الأمير الهاشمي بن عبد القار بطل المقاومة ضد فرنسا الغازية. لا تحمل الدار التي يسكنها أي طابع خاص. فهي عبارة عن بناء مكعب كبير. درج على شكل سلم يقود إلى الحجرة التي فضل سي الهاشمي استقبالنا فيها. بهذا الصالون الصغير المؤثث على الطريقة الفرنسية، لاحظت تكبيرا لصورة فوتوغرافية لعبد القادر. وجدت في هذه الصورة الهيئة الطاقوية للأمير، تماما كما وصفها ليون روشLéon Roches: ” …كانت جبهته عريضة وشامخة. حاجبان أسودان دقيقان ومقوسان يعلوان العينين الكبيرتين الزرقاوين اللتين أبهرتاني. كان أنفه دقيقا ومعقوفا قليلا، شفتاه رقيقتان غير مضغوطتين، لحيته سوداء ناعمة تؤطر محياه المعبر. علامة وشم صغير بين حاجبيه تبرز صفاء جبهته. تبدو بوضوح يده النحيفة والصغيرة بيضاء، لا تتجاوز قامته الخمسة أقدام ونيف، لكن تركيبته العضلية توحي بحيوية كبيرة…بيده اليمنى وبصفة دائمة، مسبحة سوداء. لا يستطيع أي فنان تشكيلي، يريد رسم أحد رهابنة القرون الوسطى، أن يجد أحسن من هذا نموذجا…

استقبلنا الأمير الهاشمي بكثير من العزة، وبينما نحن نرتشف قهوة الموكا، راح يذكر، بشيء من الكآبة، ماضيا مزدهرا، وحدثنا عن حياة أبيه بدمشق، عن دوره عام 1860 أثناء اضطهاد المارونيين في سوريا.

يعيش سي الهاشمي، محروما من البصر، في عزلة مع ذكرياته وخص أوقات فراغه لسيرة عبد القادر المدونة في جزأين.(1)

(1) رحلة إلى بوسعادة والمسيلة (مارس 1899) نص: شارل دو قالون/ صور: قيوشان

 

 

Bousaada Feed